أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
28
شرح مقامات الحريري
قدّمنا ذكره ، فقال إبراهيم : يا أمير المؤمنين ، هب لي ذنبه ، وأحدّثك حدثا عجيبا في التّطفيل عن نفسي ، قال : قل ، فقلت ؛ خرجت يوما فمررت في سكك بغداد ، فشممت رائحة أبزار من جناح دار ، وقدور قد فاح قتارها . فسألت خياطا : عن ربّ الدار ، فقال رجل من التّجار اسمه فلان . فخرجت من شبّاك في الجناح كفّ ومعصم ، ما رأيت مثلهما قطّ ، فذهب عقلي وبهتّ ، وإذا رجلان نبيلان ، فقال الخياط : هذان نديماه ، وهما فلان وفلان ، فحرّكت دابتي ، ودخلت بينهما ، وقلت : قد استبطأكما أبو فلان ، فأتينا الباب ، فدخلنا ، فلم يشكّ صاحب الدار أنني منهما ، فرحّب بي ، وأجلسني في أجّل موضع ، فأتينا بالألوان ، فكان طعمها أطيب من رائحتها ، فقلت في نفسي : أكلت الألوان وبقي الكفّ . ثم سرنا إلى مجالس المنادمة ، فإذا أنبل مجلس ، وصاحب الدار مقبل باللّطف والحديث عليّ لمّا ظن أني منهما ، فخرجت جارية تنثنّي كأنها خوط بان ، فسلّمت وجلست ، وأخذت بالعود وجسته ، فتبيّنت الحذق في جسّتها ، وغنّت هذا الصوت : [ الطويل ] توهّمها طرفي فأصبح خدها * وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها كفي فآلم كفّها * فمن لمس كفي في أناملها عقر ومرّ بفكري شخصها فجرحته * ولم أر شخصا قطّ يجرحه الفكر فهيّجت بلابلي ، وطربت ، ثم غنّت : [ الطويل ] أشرت إليها هل علمت مودتي * فردت بطرف العين إنّي على العهد . فحدث عن الإظهار عمدا لسرّها * وحادت عن الإظهار أيضا على عمد فصحت : السلاح ! وجاءني ما لم أملك معه نفسي ، ثم غنّت : [ الطويل ] أليس عجيبا أنّ بيتا يضمّني * وإياك لا نخلو ولا نتكلّم سوى أعين تشكو الهوى بجفونها * وترجيع أحشاء على النار تضرم إشارة أفواه وغمز حواجب * وتكسير أجفان وقلب متيّم فحسدتها على حذقها ، فقلت : يا جارية بقي عليك شيء ، فغضبت ورمت بالعود ، وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء ! فندمت ورأيت تغيّر القوم ، فدعوت بالعود وغنّيت : [ الكامل ] ما للمنازل لا يجبن حزينا * أصممن أم بعد المدى فبلينا راحوا العشيّة روحة مذكورة * إن متن متنا أو بقين بقينا فأقبلت على رجليّ تقبلهما ، وتقول : المعذرة واللّه يا سيّدي من تغيير مثلك ، وقام مولاها وصاحباه ، وصنعوا مثلها ، وشربوا بالطاسات طربا ، ثم غنّيت : [ الطويل ]